عادل عبد الرحمن البدري

59

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

فتتبع موعدك بخلفك ، فإنّ المنّ يبطل الإحسان ، والتزيّد يذهب بنور الحقّ ، والخلف يوجب المقت عند الله والناس . قال الله تعالى : كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ « 1 » . إيّاك والعجلة بالأمور قبل أوانها ، أو التسقط « 2 » فيها عند إمكانها ، أو اللجاجة فيها إذا تنكّرت ، أو الوهن عنها إذا استوضحت . فضع كلّ أمر موضعه وأوقع كلّ أمر موقعه . وإيّاك والاستئثار بما الناس فيه أسوة ، والتغابي عمّا تُعنى به ممّا قد وضح للعيون ، فإنّه مأخوذ منك لغيرك . وعمّا قليل تنكشف عنك أغطية الأمور ، وينتصف منك للمظلوم ، أملك حميّة أنفك ، وسورة « 3 » حدّك ، وسطوة يدك وغرب لسانك « 4 » ، واحترس من كلّ ذلك بكفّ البادرة وتأخير السطوة ، حتّى يسكن غضبك فتملك الاختيار . ولن تحكم ذلك من نفسك حتّى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربّك . والواجب عليك أن تتذكّر ما مضى لمن تقدّمك من حكومة عادلة ، أو سنّة فاضلة ، أو أثر عن نبيّنا ( ص ) أو فريضة في كتاب الله ، فتقتدي بما شاهدت ممّا عملنا به فيها ، وتجتهد لنفسك في اتّباع ما عهدت إليك في عهدي هذا ، واستوثقت به من الحجّة لنفسي عليك ، لكيلا تكون لك علّة عند تسرّع نفسك إلى هواها . وأنا أسال الله بسعة رحمته ، وعظيم قدرته على إعطاء كلّ رغبة . أن يوفّقني وإيّاك لما فيه رضاه من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه ، مع حسن الثناء في العباد ، وجميل الأثر في البلاد وتمام النّعمة وتضعيف الكرامة ، وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة ، إنّا إليه راجعون ، والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله الطيّبين الطاهرين وسلّم تسليماً كثيراً والسلام « 5 » . العلوم السياسية في العهد العلوي ومن خلال هذه الرسالة المفصّلة تتراءى لنا معالم نظرية الدولة الحديثة بكافة

--> ( 1 ) الصف : 3 . ( 2 ) التسقّط كناية عن التلكؤ والتباطئ . ( 3 ) السورة : الوثبة ، يقال : إنّ لغضبه لسورة ، وهو سوّار ، أي وثّاب معربد . اللسان ( سور ) . ( 4 ) غرب اللسان : حدّته . وغرب كلّ شيء حدّته . اللسان ( غرب ) . ( 5 ) نهج البلاغة : 426 - 445 .